قد يبدو أن أنظمة الأمان في السيارات مصممة لحماية جميع الركاب بنفس الكفاءة، لكن الواقع أكثر تعقيداً مما نتصور. فالمشكلة لا تكمن دائماً في طريقة القيادة أو سلوك السائق، بل في الأساس الذي بُنيت عليه هذه الأنظمة نفسها، والتي افترضت لسنوات طويلة أن جميع الركاب متشابهون جسدياً.
دراسة حديثة صادرة عن باحثين في جامعة غراتس للتكنولوجيا أعادت فتح هذا الملف، بعد تحليل حوادث وقعت في النمسا بين عامي 2012 و2024، مع إعادة محاكاة لعدد منها. والنتيجة كانت لافتة: النساء قد يتعرضن لإصابات أشد خطورة مقارنة بالرجال، حتى في ظروف تصادم متشابهة.
السبب يبدأ من نقطة غير متوقعة: دمى اختبار التصادم. فمعظم الاختبارات تعتمد على نموذج يمثل رجلاً متوسط البنية، بينما النموذج النسائي غالباً ليس سوى نسخة مصغّرة منه، من دون تمثيل حقيقي لاختلافات الجسد البشري بين الجنسين. بمعنى آخر، تم تصغير الحجم فقط، لكن الفروقات التشريحية لم تُؤخذ بعين الاعتبار بالشكل الكافي.
ولا يتوقف الأمر هنا، فحتى وضعية الجلوس داخل السيارة تلعب دوراً مهماً في مستوى الحماية. الميلان المبالغ فيه للمقعد أو إرجاعه للخلف قد يؤثر سلباً على فعالية حزام الأمان ونشر الوسائد الهوائية بالشكل المثالي، خصوصاً في المقاعد الأمامية.
هذا الواقع دفع بعض الشركات إلى البحث عن حلول أكثر تطوراً وذكاءً، مثل أحزمة أمان تتكيف تلقائياً مع حجم الراكب، ووضعية جلوسه، وحتى شدة الاصطدام، بهدف تقليل الفروقات في الحماية بين مختلف الركاب.
وفي النهاية، الرسالة الأهم واضحة: مستقبل السلامة المرورية لا يجب أن يُبنى على “نموذج واحد” للجميع، بل على أنظمة تفهم تنوّع البشر الحقيقي، وتتكيف معه بدل أن تتجاهله.